ابن أبي الحديد

120

شرح نهج البلاغة

ثم ذكر أن الملائكة موكلة بالمكلف ، وهذا هو نص الكتاب العزيز ، وقد تقدم القول في ذلك . ثم انتقل إلى ذكر الجنة ، والكلام يدل على أنها في السماء ، وأن العرش فوقها . ومعنى قوله : ( اصطنعها لنفسه ) إعظامها وإجلالها ، كما قال لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ) ( 1 ) ، ولأنه لما تعارف الناس في تعظيم ما يصنعونه ، أن يقول الواحد منهم لصاحبه : قد وهبتك هذه الدار التي اصطنعتها لنفسي ، أي أحكمتها ، ولم أكن في بنائها متكلفا بأن أبنيها لغيري ، صح وحسن من البليغ الفصيح أن يستعير مثل ذلك فيما لم يصطنعه في الحقيقة لنفسه ، وإنما هو عظيم جليل عنده . قوله : ( ونورها بهجته ) ، هذا أيضا مستعار ، كأنه لما كان إشراق نورها عظيما جدا نسبه إلى بهجة الباري ، وليس هناك بهجة على الحقيقة ، لان البهجة حسن الخلقة ، قال تعالى : ( وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) ( 2 ) ، أي من كل صنف حسن . قوله : ( وزوارها ملائكته ) قد ورد في هذا من الاخبار كثير جدا ، ورفقاؤها : رسله ، من قوله تعالى : ( وحسن أولئك رفيقا ) ( 3 ) . ويوشك ، بكسر الشين ، فعل مستقبل ، ماضيه ( أوشك ) ، أي أسرع . ورهقه الامر ، بالكسر : فاجأه . ويسد عنهم باب التوبة ، لأنه لا تقبل عند نزول الموت بالانسان من حيث كان يفعلها خوفا فقط ، لا لقبح القبيح ، قال تعالى : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان ) ( 4 ) .

--> ( 1 ) سورة طه 49 . ( 2 ) سورة ق 7 . ( 3 ) سورة النساء 69 . ( 4 ) سورة النساء 18 .